ابن خلدون
282
تاريخ ابن خلدون
المختصين وأصحاب يبرزون بما معهم من الجوارح بازات وصقورا وكلابا سلوقية وفهودا فيرسلونها على الوحش في تلك القورا وقد وثقوا باعتراض البناء لها من امام فيقضى وطرا من ذلك القنص سائر يومه فكان ذلك من أفخم ما عمل في مثلها ثم وصل ما بين قصوره ورياض رأس الطالبية بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقا سالكا ما بينهما وعلى ارتفاع عشرة أذرع يتحجب الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين عن أن تقع العيون عليهم فكان ذلك مصنعا فخما وأثرا على أيام الدولة خالدا ثم بنى بعد ذلك الصرح العالي بفناء داره ويعرف بقية اساراك باللسان المصعمودى هو القورا الفسيحة وهذا الصرح هو إيوان مرتفع السماك متباعد الأقطار متسع الارجاء يشرع منه إلى الغرب وجانبيه ثلاثة أبواب لكل باب منها مصراعان من الخشب مؤنق الصنعة ينوء كل مصراع منها في فتحه وغلقه بالعصبة أولى القوة ويفضى بابها الأعظم المقابل لسمت الغرب إلى معارج قد نصبت للظهور عليها عريضة ما بين الجوف إلى القبلة بعرض الإيوان يناهز عددها الخمسين أو نحوها ويفضى البابان عن جانبيه إلى طريقين تنتهيان إلى حائط القورا ثم تنعطفان إلى ساحة القورا يجلس السلطان فيها على أريكته مقابل الداخل أيام العرض والوفود ومشاهد الأعياد فجاءت من أفخم الأواوين وأحفل المصانع التي تشهد بأبهة الملك وجلالة الدولة واتخذ أيضا بخارج حضرته البستان الطائر الذكر المعروف بأبي فهر يشتمل على جنات معروشات وغير معروشات اغترس فيها من شجره كل فاكهة من أغصان التين والزيتون والرمان والنخيل والأعناب وسائر الفواكه وأصناف الشجر ونضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السرو والطلح والشجر البرى وسمى دوح هذه بالشعراء واتخذ وسطها البساتين والرياضات بالمصانع والجرار وشجر النور والنزهة من الليم والنارنج والسدر والريحان وشجر الياسمين والخيري والنيلوفر وأمثاله وجعل وسط هذه الرياض روضا فسيح الساحة وصنع فيه للماء حاجزا من أعواد الحور جلب إليه الماء في القناة القديمة كانت ما بين عيون زغوان وقرطاجنة تسلك بطن الأرض في أماكن وتركب البناء العالي ذا الهياكل الهائلة والقسي القائمة على الأرجل الضخمة في أخرى فعطف هذه القناة من أقرب الثمرات إلى هذا البستان وأمطاها حائطا وصل ما بينهما حتى ينبعث من فوهة عظيمة إلى جب عميق المهوى رصيف البناء متباعد الأقطار مربع الفناء مجلل بالكلس إلى أن يعمه الماء فيرسله في قناة أخرى قريبة الغاية فينبعث في الصهريج إلى أن يعبق حوضه وتضطرب أمواجه ويترفه الحظايا عن السعي بشاطئه لبعد مداه فيركبن في الجواري المنشآت فيبارى بهن لما استقل